مقالات ومشاركات

مدى مسؤولية الناقل الجوي تجاه الركاب عن الأضرار الناجمة عن الهجمات السيبرانية .

من خلال هذا المقال نشير إلى نقطة هامة لا يعلمها الكثير ويغفل عنها البعض وهي أثر الهجمات السيبرانية على الناقل الجوي ومدى مسؤوليته الناتجة عن تلك الهجمات تجاه الركاب 

حيث يشهد قطاع الطيران المدني في العصر الحديث تطورًا تقنيًا غير مسبوق، حيث أصبحت أنظمة التشغيل وإدارة الرحلات وحجز التذاكر ومراقبة الملاحة الجوية تعتمد بصورة شبه كاملة على البنية الرقمية وشبكات المعلومات، بما أسهم في تعزيز كفاءة النقل الجوي وسرعة تقديم الخدمات. إلا أن هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا صاحبه تصاعد ملحوظ في مخاطر الهجمات السيبرانية، التي باتت تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه شركات الطيران وسلامة عمليات النقل الجوي، لما قد يترتب عليها من تعطيل للرحلات أو اختراق للبيانات أو المساس بسلامة الركاب وممتلكاتهم.

وقد أثارت هذه المخاطر تساؤلات قانونية بالغة الأهمية بشأن مدى التزام الناقل الجوي بضمان سلامة الركاب وحمايتهم من الأضرار التي قد تنجم عن تلك الهجمات، وما إذا كانت هذه الأضرار تدخل في نطاق مسؤوليته العقدية أو التقصيرية، أم تُعد من قبيل الحوادث الاستثنائية أو القوة القاهرة التي تعفيه من المسؤولية. 

ومن ثم، تبرز أهمية بحث مدى مسؤولية الناقل الجوي تجاه الركاب عن الأضرار الناجمة عن الهجمات السيبرانية، في ضوء التطور المتسارع للتهديدات الإلكترونية، وما تفرضه من ضرورة إعادة قراءة النصوص القانونية القائمة بما يحقق التوازن بين حماية حقوق الركاب من جهة، وعدم تحميل الناقل الجوي مسؤولية مطلقة عن مخاطر قد تخرج عن نطاق سيطرته من جهة أخرى، وصولًا إلى تحديد الإطار القانوني الحاكم لهذه المسؤولية ومدى الحاجة إلى تطويره لمواكبة البيئة الرقمية الحديثة. ومن خلال هذا المقال نتطرق لبعض النقاط الهامة وهي :-

أولاً:- تعريف الهجمات السيبرانية 

السيبرانية لغوياً تعنى ( علم الضبط ومصدرها Cybernetics أى ضبط الأشياء عن بعد والسيطرة عليها ومصطلح السيبرانية عرفه البعض بأنه هجوم يتم من خلال الإنترنت عن طريق القيام بالتسلل إلى المواقع الإلكترونية غير المرخص بالدخول إليها وذلك من أجل تعطيل وإتلاف البيانات والمعلومات المتوفرة على تلك المواقع أو الاستحواذ عليها 

وعرفت أيضا بأنها وسيلة قتالية يتم استخدامه بذاتها من أجل التسلل للأنظمة الإلكترونية المعدة من أجل حماية أو تنظيم سير عمل منشآت حيوية مثل محطات توليد الطاقة النووية أو السدود أو وسائل النقل وذلك بغرض تطويعها والسيطرة عليها لتدمير ذاتها بذاتها من خلال القيام بتغذيتها بمعلومات غير صحيحة لأجهزة التحكم والحماية الألكترونية  “

وتعددت التعريفات واختلفت بين الفقهاء نظرا لحداثة مصطلح الهجمات السيبرانية فذهب اتجاه لتعريفها وفقا للوسيلة باعتبار الفضاء السيبراني أداة لتنفيذ الاعتداء واستغلال الثغرات البرمجية والمنصات الشبكية والبعض ذهب إلى تعريفها استنادا إلى الغرض أو الهدف فعرفها البعض بأنها هجوم عبر الفضاء السيبراني بهدف السيطرة على المواقع الالكترونية أو بنى تحتية محمية الكترونيا لتدميرها أو تعطيلها وذهب ايضا فريق واستند فى تعريفه لها بأنها عمليات لإيقاع الفوضى فى المعلومات التى يتم تخزينها . 

ثانياً:- خصائص الهجمات السيبرانية  

١- التطور التقنى والتحديث بوتيرة سريعة وبصفة دائمة مما يزيد من قوتها التدميرية .

٢- سهولة تنفيذها واستخدامها 

٣- قدرتها على اختراق أكثر انظمة الحماية تعقيدا  

٤- صعوبة تحديد هوية مرتكبها وصعوبة تحديد مصدرها

٥- تتميز الهجمات السيبرانية بالخفية السرية 

٦- تتميز الهجمات السيبرانية بالمرونة وتستمد هذه المرونة من خلال طبيعة الادوات للتكيف والاختراق 

٧- اختفاء العامل الجغرافى

٨- تتميز الهجمات السيبرانية بقلة التكلفة مقارنة بالحروب التقليدية 

٩- يترتب على الهجمات السيبرانية خسائر مالية ومادية كبيرة وقد يترتب عليها خسائر فى الأرواح فى حالة استهداف قطاع النقل والمستشفيات 

٩- تتميز الهجمات السيبرانية بصعوبة استشعارها لعدم وجود دليل أو مؤشر يفيد التنبؤ بحدوثها

ثالثاً:- علامات الهجمات السيبرانية فى النقل الجوى .

ان من علامات الهجمات السيبرانية فى قطاع النقل الجوى هو تعدد مراحلها تبعا لمراحل الرحلة الجوية وغرضها فى الأول والاخير هو استهداف العنصر البشرى وذلك يأتى من خلال اختراق واستهداف خصوصية بيانت الركاب وقد تمتد الى العنصر المادى المتمثل فى انظمة الرقمنة وادارة وتتبع الحقائب والامتعة الخاصة بالركاب وتكمن خطورة تلك الهجمات فى أنها قد تتحكم فى سلامة ارواح الركاب داخل الطائرة والسيطرة على خط سيرها أو تعطيلها  

رابعاً:- هل تعد الهجمات السيبرانية حادث جوى وما هى الشروط الواجب توافرها حتى يسأل الناقل الجوى 

من هذا المنطل نود اولا تعريف الحادث الجوى وفقا للقانون المصرى ووفقا لنص المادة ٩٨ مكرر من القانون رقم ١٣٦ لسنة ٢٠١٠ بتعديل بعض أحكام القانون رقم ٢٨ لسنة ١٩٩١ باصدار قانون الطيران المدنى والتى تنص على انه ( المقصود بحوادث ووقائع الطائرات :- 

يقصد بحادث الطائرة كل واقعة مرتبطة بتشغيل طائرة تقع فى أى وقت منذ  صعود اول شخص للطائرة بقصد الطيران حتى نزول جميع هؤلاء الاشخاص من الطائرة إذا ترتب على هذا الحادث أى مما ياتى :- 

١- إصابة اى شخص إصابة مميتة او جسيمة نتيجة وجوده على متن الطائرة أو احتكاكه مباشرة بأى جزء من الاجزاء المتصلة بها أو التى تنفصل عنها أو نتيجة التعرض المباشر للفح النفاس ولا يدخل فى ذلك الاصابات الناتجة عن اسباب طبيعية أو التى يحدثها الشخص بنفسه أو التى يتسبب فيها اشخاص آخرون ولا دخل للحادث بها والإصابات التى تقع لشخص متسلل مختبئ فى غير الاماكن المتاحة عادة للركاب أو افراد طواقم الطائرة 

٢- إصابة الطائرة بتلف أو بعطل هيكلى من شأنه أن يؤثر تأثيراً ضاراً فى قوة بنية الطائرة أو ادائها أو خصائص طيرانها ويتطلب إصلاحات رئيسية أو استبدال الاجزاء التالفة ولا يدخل فى ذلك فشل المحرك أو تلفه عندما يقتصر التلف على المحرك او اغطيته أو ملحقاته أو المراوح أو اطراف الأجنحة أو الهوائيات أو الإطارات أو الفرامل أو الأسطح الانسيابية أو انبعاجات السطح الخارجى الصغيرة أو الثقوب الصغيرة فى السطح او النسيج الخارجى للطائرة 

ويقصد بواقعة الطائرة كل واقعة لا ينطبق عليها تعريف حادث طائرة على النحو المبين فى هذه المادة وترتبط بتشغيل الطائرة وتؤثر أو يمكن أن تؤثر على سلامة التشغيل أو تعريض الطائر للخطر )

ويتضح من التعريف السابق أن الهجمات السيبرانية تتوافر فيها عناصر الحادث الجوى الذى انتهى بتعريفه بانه واقعة مفاجئة تقع أثناء النقل الجوى وتؤدى الى الاخلال بسير الرحلة الطبيعى ويكون سببها غير الركاب فالهجمات السيبرانية  تحدث بشكل مفاجئ وغير متوقع وتحدث من الغير ولم تصدر سواء من الراكب أو طاقم الطائرة 

واستكمالا لما سبق ولكى يسأل الناقل الجوى لابد من توافر عدة شروط وهى 

أ/ أن تكون الهجمات السيبرانية أثناء فترة النقل وذلك سواء كان الركاب على متن الطائرة أو أثناء عمليات الصعود والنزول وهى تشمل بشكل موسع اكثر ولم تكن محصورة فقط فى نطاق الفترة الزمنية من صعود الراكب على سلم الطائرة فى مطار المغادرة وحتى نزوله من السلم فى مطار الوصول بل تصبح من وقت تسليم المسافر نفسه فعليا تحت حراسة وإشراف الناقل الجوى أو تابعيه 

ب/ أن يترتب على الهجمات السيبرانية ضرر على الركاب 

ومن خلال ما سبق يتضح أن سبب مسئولية الناقل الجوى هو الخطأ الصادر منه فهل الهجمات السيبرانية رغم حدوثها بشكل مفاجئ وغير متوقع ومن طرف آخر او من الغير  يكون الناقل الجوى مسئولا عنها فى الحقيقة نعم يكون الناقل الجوى مسئولا عنها وتلك المسئولية نبعت من خلال أو نتيجة لتقصير الناقل الجوى أو تابعيه فى اتخاذ التدابير الوقائية والضرورية لحماية الانظمة المعلوماتية والرقمية وعدم تطويرها .

ويتمثل خطأ الناقل الجوى السيبرانى فى الآتى :- 

١- الاخلال بالعناية الرقمية

٢- القصور فى تأمين الشبكات الداخلية 

٣- عدم تدريب الكوادر البشرية

٥- القصور فى إدارة الأزمات    

وفي الختام يتبين أن التطور الرقمي الذي يشهده قطاع الطيران المدني، على الرغم مما حققه من كفاءة وسرعة في تقديم خدمات النقل الجوي، قد أوجد في المقابل مخاطر قانونية وتقنية جديدة، يأتي في مقدمتها خطر الهجمات السيبرانية وما قد يترتب عليها من أضرار تمس سلامة الركاب وحقوقهم ومصالحهم.

وقد خلصنا إلى أن الهجمات السيبرانية قد تشكل – متى توافرت شروطها القانونية – واقعة أو حادثًا يرتبط بتشغيل الطائرة، بما يقتضي بحث مدى قيام مسؤولية الناقل الجوي في ضوء أحكام اتفاقية مونتريال لسنة ١٩٩٩ وقانون الطيران المدني المصري والقواعد العامة للمسؤولية المدنية. كما أن مجرد كون الهجوم صادرًا من الغير أو غير متوقع لا يؤدي بذاته إلى إعفاء الناقل الجوي من المسؤولية، متى ثبت أن الضرر كان نتيجة تقصيره في اتخاذ التدابير الفنية والتنظيمية اللازمة لتأمين أنظمته الإلكترونية وحماية البنية الرقمية التي يعتمد عليها في مباشرة نشاطه.

ولذلك، فإن مسؤولية الناقل الجوي في البيئة الرقمية الحديثة لم تعد تقتصر على توفير السلامة المادية للطائرة والركاب، وإنما امتدت لتشمل توفير الأمن السيبراني باعتباره أحد عناصر واجب السلامة الذي يلتزم به الناقل تجاه المسافرين، وهو ما يفرض عليه تبني أنظمة حماية إلكترونية متطورة، وإجراء تقييم دوري للمخاطر، وتحديث وسائل الدفاع السيبراني، وتأهيل الكوادر البشرية لمواجهة التهديدات الإلكترونية المتزايدة.

ومن ثم فإن التطور المتسارع للهجمات السيبرانية يقتضي من المشرع والجهات التنظيمية المعنية بقطاع الطيران مواكبة هذه المستجدات من خلال وضع إطار تشريعي أكثر تحديدًا ينظم مسؤولية الناقل الجوي عن المخاطر السيبرانية، ويحدد معايير العناية الرقمية الواجبة، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق الركاب وعدم تحميل الناقل مسؤولية مطلقة عن كل هجوم إلكتروني، مع ضمان أعلى مستويات الأمن والسلامة في مجال النقل الجوي.

وعليه، فإن مستقبل مسؤولية الناقل الجوي لم يعد يقاس فقط بسلامة الطائرة أثناء التحليق، وإنما أصبح يقاس أيضًا بمدى قدرته على حماية أنظمته الرقمية من الاختراقات والهجمات السيبرانية، باعتبار أن الأمن السيبراني أصبح جزءًا لا يتجزأ من أمن الطيران المدني وسلامة الركاب في العصر الرقمي.

بقلم الاستاذ / حسام عبد المجيد السيد

المحام بالاستئناف العالى ومجلس الدولة

Hossam Abdulmajid

Recent Posts

قيام احد شركات التطوير العقاري بمدينة بدر بسرقة التيار الكهربائي لسنوات امام اعين المسؤولين

قام احد ضحايا شركات التطوير العقاري بتقديم بلاغ ضد قيام إحدى الشركات العاملة في مجال…

أسبوع واحد ago

مصر..الحبس 6 أشهر لـ أمينة سويدان فى قضية مستشفى الشاطبى – أخبار الغد

الحكم بالحبس لمدة ستة أشهر في قضية مستشفى الشاطبى يثير مباشرةً أثر المساءلة الجنائية وحدود…

أسبوع واحد ago

مليار دولار بسبب هدف ملغى.. دعوى غريبة تهز أجواء المونديال – سكاي نيوز عربية

دعوى التعويض المطروحة بمطالبة تصل إلى مليار دولار تثير أولاً مسألة قانونية جوهرية تتعلق بإمكان…

أسبوع واحد ago

بسبب مباراة مصر.. مسؤول إيراني سابق يطالب الفيفا بمليار دولار أمام محكمة أمريكية! – Kooora

مطالبة مليار دولار تفتح نزاعاً قضائياً دولياً معقداً المسألة القانونية المطروحة تتمثل في دعوى تعويض…

أسبوعين ago

اعرف حقوقك في قانون العمل الجديد.. 10 مزايا يحصل عليها العامل بالقطاع الخاص – Masrawy

القانون الجديد للعمل في القطاع الخاص يترتب عليه إعادة ضبط العلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب…

أسبوعين ago

رئيس نادي مستشارى قضايا الدولة يهنئ الرئيس السيسي وشعب مصر بذكرى ثورة 30 يونيو – اليوم السابع

دلالة قانونية لتهنئة رسمية في مناسبة وطنية كبرى تهنئة رئيس نادي مستشارى قضايا الدولة لرئيس…

أسبوعين ago