“ضد مجهول”.. جرائم أثارت الرأى العام دون الاستدلال على الفاعل.. “عمر خورشيد” توفى بعد مطاردة على الطريق.. وسائق سميرة موسى قادها إلى السقوط فى واد سحيق بالولايات المتحدة.. ومذبحة الرحاب تثير الجدل – اليوم السابع

المسألة القانونية هنا تتعلق بجرائم ظلت محل اهتمام عام مع تعذر تحديد الفاعل أو عدم حسم المسؤولية الجنائية نهائياً، وهو ما يضع عبء الإثبات على النيابة العامة ويجعل أي إدانة مرهونة بدليل يقيني لا يحتمل الشك. وفي مثل هذه الوقائع، يصبح السؤال القانوني الأساسي هو: هل تكفي الملابسات والقرائن لإسناد الجريمة، أم أن غياب الاستدلال على مرتكبها يظل حاجزاً دون قيام المسؤولية الجنائية؟

في القانون الجنائي المصري، الأصل أن الإدانة لا تقوم إلا على الجزم واليقين، لا على الاحتمال أو الظن. لذلك فإن الجرائم التي ترتبط بوفاة شخصية عامة أو سقوطها في ظروف غامضة، كما في الحالات المتداولة بشأن عمر خورشيد وسميرة موسى ومذبحة الرحاب، تظل خاضعة لقاعدة مركزية مفادها أن العبء يقع على جهة الاتهام في تحديد الفعل والفاعل والعلاقة السببية. فإذا تعذر ذلك، بقيت الواقعة في نطاق الجريمة مجهولة الفاعل، مع استمرار الحق في التحقيق وجمع الأدلة واستكمال الفحص الفني والشهود والقرائن. وهذا يفسر لماذا تبقى بعض القضايا حاضرة في الذاكرة العامة دون أن تتحول إلى أحكام نهائية محددة المسؤولية.

الأثر القانوني لعدم التوصل إلى الجاني لا يقتصر على الجانب الجنائي، بل يمتد إلى الحقوق المدنية المرتبطة بالواقعة. فوجود وفاة أو ضرر أو خسارة يفتح من حيث المبدأ باب المطالبة بالتعويض متى أمكن إثبات الخطأ والضرر والسببية، لكن غياب الفاعل يعرقل تحديد المدعى عليه ويؤخر حسم النزاع. وفي هذا السياق، يبرز دور القانون المدني في تنظيم المسؤولية التقصيرية، غير أن تطبيقه العملي يتوقف على إمكانية نسبة الفعل إلى شخص معين أو إلى جهة محددة. أما إذا استحال ذلك، فإن المسار القضائي يظل منقوصاً، وقد تبقى الحقوق معلقة إلى حين ظهور دليل جديد أو إعادة فتح التحقيق وفق ما يتيحه قانون الإجراءات الجنائية.

وتكتسب هذه النوعية من القضايا أهمية خاصة لأنها تكشف الفارق بين الاهتمام الإعلامي والحسم القضائي. فإثارة الرأي العام لا تُنشئ بذاتها دليلاً قانونياً، ولا تعوض نقص التحقيق الفني أو غياب الاستدلال على الفاعل. كما أن تعدد الروايات أو تداول الفرضيات لا يكفيان لتأسيس اتهام صحيح أو إدانة مشروعة. ومن ثم، فإن القيمة القانونية الحقيقية في هذه الملفات تكمن في قدرة التحقيق على الانتقال من الشبهة إلى الإثبات، ومن الغموض إلى التحديد، وإلا بقيت القضية مثالاً على حدود العدالة الجنائية حين تعجز الأدلة عن الوصول إلى المسؤول.

الخلاصة أن الجرائم مجهولة الفاعل تفرض مخاطر قانونية مزدوجة: استمرار الشك الجنائي من جهة، وتعطل الحماية القضائية للحقوق المدنية من جهة أخرى، وهو ما يجعل قوة الدليل هي الفيصل الوحيد في إنهاء الجدل القانوني.

إخلاء المسؤولية: هذا المحتوى لأغراض معلوماتية فقط ولا يُعد استشارة قانونية.
المصدر: اليوم السابع, 2019-11-29T08:00:00.000Z

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*