محاولات التسلّل إلى نقد الشرعية الإسلامية العليا (2) – موقع المسلم

مثيرات نقد الشرعية الإسلامية العليا تثير إشكالاً قانونياً دقيقاً عندما تنتقل من نطاق النقاش الفكري إلى نطاق المساس بالنظام العام أو إثارة الكراهية أو التحريض على الفتنة. وفي ضوء محدودية البيانات المتاحة، فإن التقييم القانوني ينصب على الحدود الفاصلة بين حرية التعبير المقررة قانوناً وبين الأفعال التي قد تكتسب وصفاً جنائياً أو مدنياً بحسب مضمونها وأثرها.

في القانون المصري، الأصل أن حرية الرأي مكفولة، لكن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تقف عند حدود النصوص العقابية التي تجرّم التحريض على التمييز أو ازدراء الأديان أو الاعتداء على المقومات الأساسية التي يحميها النظام القانوني. وإذا كانت محاولة “التسلّل” إلى نقد الشرعية الإسلامية العليا تتخذ صورة خطاب مموّه أو إيحاءات غير مباشرة، فإن العبرة لا تكون فقط بالألفاظ الصريحة، بل بالمضمون الكلي، والسياق، والغاية، والأثر المتوقع على الجمهور. وهذا يفتح الباب أمام التكييف الجنائي متى توافر القصد الجنائي واتجه الفعل إلى إحداث اضطراب اجتماعي أو إساءة مقصودة إلى ثوابت محمية قانوناً.

ومن زاوية المسؤولية الجنائية، قد تثار أحكام قانون العقوبات إذا انطوى الطرح على سبّ أو قذف أو تحقير متعمّد، كما قد تثار شبهة التحريض إذا تضمن الخطاب دعوة ضمنية أو صريحة إلى الكراهية أو الاستقطاب أو إثارة الفتنة. ولا يتوقف الأمر عند النصوص العقابية فقط، بل يمتد إلى قواعد إثبات القصد، إذ يمكن للنيابة العامة أو المحكمة أن تستخلص نية الإساءة من العبارة، وطريقة النشر، وتوقيت التداول، والجمهور المستهدف. وفي هذا الإطار، يصبح التوصيف القانوني شديد الارتباط بملف الأدلة الرقمية، ونسخ المنشور، وسياق التفاعل معه، ومدى اتساع أثره العام.

أما من الناحية المدنية، فقد يترتب على الخطاب محل البحث قيام مسؤولية تقصيرية إذا ثبت أنه ألحق ضرراً معنوياً أو مساساً بالاعتبار أو الإساءة إلى الغير على نحو يجيز التعويض وفقاً للقواعد العامة في القانون المدني. كما أن استخدام وسائل النشر الإلكتروني يضيف بعداً عملياً مهماً، لأن إعادة التداول والانتشار الواسع قد يضاعفان نطاق الضرر ويعززان إمكان المطالبة بوقف الاعتداء أو إزالة المحتوى، متى توافرت شروط ذلك قانوناً. وفي البيئة الرقمية، تصبح سرعة الحذف أو الإخفاء لا تعفي من المسؤولية إذا سبقها تحقق الضرر أو ثبوت المشاركة في النشر أو الإتاحة للغير.

ومن الناحية الإجرائية، يظل توثيق المحتوى وتحديد الرابط والوقت والنسخة المنشورة عنصراً حاسماً في أي نزاع، لأن عبء الإثبات في مثل هذه المسائل يتوقف على سلامة الدليل وقدرته على إسناد الفعل إلى صاحبه. كما أن التكييف قد يختلف بين الفعل الفردي والفعل المنظم، وبين التعبير العلمي المشروع والتجاوز الذي يمس الحماية القانونية للثوابت الدينية أو يخرج إلى دائرة التجريم. لذلك فإن أي تحليل قانوني منضبط يقتضي التمييز الدقيق بين النقد الفكري المجرد وبين الخطاب الذي يتخذ من النقد ستاراً للإساءة أو التحريض.

الخلاصة أن أي مساس مقصود بالشرعية الإسلامية العليا عبر خطاب ملتف أو مباشر قد يرتب مخاطر جنائية ومدنية فعلية في القانون المصري، ويجعل صاحبه عرضة للمساءلة متى تجاوزت الأقوال حدود التعبير المشروع إلى الاعتداء على المصالح القانونية المحمية.

إخلاء المسؤولية: هذا المحتوى لأغراض معلوماتية فقط ولا يُعد استشارة قانونية.
المصدر: موقع المسلم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*