“أخطر مدن العالم للنساء”.. لماذا ينتشر التحرش الجنسي في مصر؟ – الجزيرة نت

التحرش الجنسي في مصر يمثل مسألة جنائية مباشرة تمسّ سلامة الجسد والكرامة الشخصية، وتفرض على جهة الإنفاذ والقضاء التعامل معه باعتباره اعتداءً لا يقتصر أثره على الضحية، بل يمتد إلى الأمن العام والثقة في بيئة العمل والفضاء العام. وتزداد خطورة الظاهرة حين ترتبط بصورة نمطية عن كون بعض المدن أكثر تهديدًا للنساء، لأن ذلك ينعكس عمليًا على حق التنقل الآمن ويُدخل البعد الوقائي في نطاق المسؤولية القانونية.

في الإطار المصري، يظل التجريم هو المدخل الأساسي لمعالجة التحرش الجنسي، سواء وقع في الشارع أو في أماكن العمل أو في أي نطاق آخر يتيح الاحتكاك بالغير. وتبرز هنا أهمية القانون الجنائي بوصفه الأداة التي تحدد السلوك المجرَّم والعقوبة المقررة له، مع ما يستتبعه ذلك من إجراءات تحريك الدعوى الجنائية وجمع الأدلة وسماع الشهود وتقدير الوقائع. غير أن محدودية البيانات المتاحة عن الواقعة محل التحليل تمنع الجزم بأشكال محددة للتحرش أو بآليات انكشافه، وهو ما يجعل التركيز القانوني منصبًا على الإطار العام: كل سلوك ينطوي على إيذاء ذي طبيعة جنسية أو مساس غير مشروع بحرية المرأة يدخل في دائرة المخاطر الجنائية ويستوجب إنفاذًا صارمًا.

الأثر العملي لهذه الظاهرة لا يقتصر على المساءلة الجنائية، بل يمتد إلى المسؤولية المدنية متى ترتب ضرر مادي أو أدبي على المجني عليها. فالتعويض يصبح مطروحًا متى ثبت الضرر وعلاقته بالفعل الضار، وهو ما يمنح الحماية القانونية بعدًا جبريًا لا يكتفي بالعقاب. كما قد تظهر التزامات وقائية على جهات الإدارة أو أصحاب الأعمال حين يقع التحرش في نطاق عملهم أو تحت إشرافهم، لأن الإخلال بواجب توفير بيئة آمنة قد يفتح الباب للمساءلة بحسب ظروف كل حالة. وفي سياق الجرائم المرتبطة بالإثبات، تكتسب إجراءات التبليغ والتحقيق أهمية حاسمة، لأن ضعف التوثيق أو الخوف من الإبلاغ ينعكس مباشرة على قدرة النظام العدلي على الوصول إلى نتيجة فعالة.

إن توصيف بعض المدن بأنها من الأخطر على النساء لا يغيّر الوصف القانوني للفعل، لكنه يكشف عن فجوة عملية بين النص والعقوبة من جهة، وواقع الردع والحماية من جهة أخرى. وعندما تصبح الظاهرة واسعة الانتشار، تتضاعف المخاطر القانونية على المستويين الفردي والمؤسسي، لأن استمرارها يعني ارتفاع احتمالات الجريمة، وتزايد منازعات الإثبات، وتنامي الحاجة إلى تطبيق فعّال للقواعد الجنائية والمدنية معًا.

الخلاصة أن الانتشار الواسع للتحرش الجنسي لا يمثل مجرد مشكلة اجتماعية، بل عبئًا قانونيًا متصاعدًا يهدد فاعلية الردع ويزيد من احتمالات المساءلة والتعويض، ما يجعل ضعف الحماية الواقعية خطرًا مباشرًا على النظام القانوني بأكمله.

إخلاء المسؤولية: هذا المحتوى لأغراض معلوماتية فقط ولا يُعد استشارة قانونية.
المصدر: الجزيرة نت, 2020-01-06T08:00:00.000Z

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*