القوة والعنف بين الشريعة والقانون – شبكة النبأ المعلوماتية

تثير مسألة القوة والعنف إشكالاً قانونياً يتمثل في التمييز بين استعمال القوة المشروع بوصفه وسيلة يجيزها القانون لحماية الحق أو تنفيذ الالتزام، وبين العنف غير المشروع الذي يترتب عليه وصف جنائي ومسؤولية مدنية متى تجاوز حدود الضرورة والتناسب. وفي الإطار المصري، يبقى هذا التمييز محورياً عند تقدير مشروعية الفعل وآثاره على المسؤولية والعقاب.

في القانون الجنائي المصري، لا يُنظر إلى القوة باعتبارها قيمة مطلقة، بل باعتبارها أداة مقيدة بضوابط محددة. فاستعمال القوة قد يكون مبرراً إذا وقع في نطاق الدفاع الشرعي أو تنفيذ حكم أو إجراء قانوني صحيح، أما إذا اقترنت بالإكراه أو الإيذاء أو التعدي على سلامة الغير فإنها تنقلب إلى عنف مجرّم. ويترتب على ذلك اختلاف جوهري في التكييف القانوني؛ فالفعل نفسه قد يُعفى من العقاب إذا ثبتت مشروعيته، وقد يصبح جناية أو جنحة بحسب النتيجة والركن المعنوي والظروف المحيطة به. كما أن تقدير التناسب بين الوسيلة والغاية يمثل معياراً عملياً حاسماً، لأن الإفراط في استعمال القوة يسقط الحماية القانونية حتى لو بدأت الواقعة في أصلها مشروعه.

أما من زاوية المسؤولية المدنية، فإن العنف لا يقتصر أثره على العقوبة، بل يفتح باب التعويض عن الضرر متى ثبت الخطأ والضرر وعلاقة السببية. وهذا يكتسب أهمية خاصة في منازعات الاعتداء على النفس أو المال أو الحرية، حيث قد يجتمع التعويض مع العقاب الجنائي في آن واحد. وفي القانون المدني المصري، يظل معيار الخطأ واسعاً بما يكفي لالتقاط صور التجاوز في استعمال القوة حتى إذا لم تبلغ الفعل المرتب الكامل لجريمة قائمة بذاتها. كما أن أي التزام قانوني يقتضي التنفيذ بالقوة العامة أو الوسائل المشروعة لا يبرر اللجوء إلى وسائل ذات طابع انتقامي أو تعسفي، لأن التعسف في استعمال الحق يظل سبباً مستقلاً للمسؤولية.

وتزداد حساسية المسألة عند الربط بين الشريعة والقانون، إذ إن كلاهما يقر مبدأ رد العدوان وحماية الحقوق، لكنه يقيد ذلك بضوابط تمنع التحول من الدفاع إلى الاعتداء. عملياً، يفيد هذا التلاقي في ترسيخ فكرة أن الشرعية لا تقوم على مجرد وجود دافع أو غاية، بل على التزام الوسائل المقررة قانوناً وعدم تجاوزها. وفي المنازعات التي تمس العقود أو المعاملات التجارية أو إجراءات التنفيذ، يصبح الفارق بين القوة المشروعة والعنف غير المشروع فاصلاً في تحديد صحة الإجراء من بطلانه، وفي تقرير ما إذا كان النزاع يُعالج مدنياً أم جنائياً أم في مسار مختلط. كما أن الإجراءات الجنائية تظل الإطار الذي تُختبر فيه روايات التبرير وحدود الضرورة والتناسب والنية.

وعليه، فإن أي تجاوز في استعمال القوة يرفع مستوى المخاطر القانونية من مجرد نزاع حول المشروعية إلى مسؤولية جنائية ومدنية متزامنة، بما يفرض دقة صارمة في توصيف الواقعة وتقدير الوسيلة والغاية وحدود القانون.

إخلاء المسؤولية: هذا المحتوى لأغراض معلوماتية فقط ولا يُعد استشارة قانونية.
المصدر: شبكة النبأ المعلوماتية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*