ميزان العدالة زمان. بتر أنف وأذن باسر للسرقة.. . الجلد والطرد بسبب الزنا.. – اليوم السابع

الجزاء الجنائي في مصر القديمة بين الردع والتناسب

تطرح الوقائع المنسوبة إلى المصريين القدماء نموذجاً مبكراً لفكرة الجزاء بوصفه أداة للردع وحماية النظام العام، لا مجرد ردّ فعل أخلاقي. وتظهر هذه الصورة في عقوبات شديدة التنوع، من بتر الأعضاء في السرقة، إلى القتل في جرائم العمد، إلى الجلد والطرد في الزنا، مع إتاحة فرصة أخيرة للمتهم وطلب مراجعة الحكم في نطاق محدد.

من زاوية القانون الجنائي، تعكس هذه المعطيات مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، وهو مبدأ حاضر في التشريعات الحديثة وإن اختلفت أدواته. فالعقوبة لا تُقاس فقط بقدر الفعل، بل بطبيعة الاعتداء على الحق محل الحماية. ومع أن بتر الأنف والأذن عقوبة بدنية قاسية، فإنها كانت تمثل في ذلك السياق رسالة ردع صريحة ضد جرائم الاعتداء على الملكية. أما الحكم بالقتل على من قتل عمداً، فيكشف عن تصور قديم لوحدة الفعل والعقوبة، حيث تتجه السلطة إلى مجازاة الفعل بمثله أو بما يساويه في الجسامة.

وفي المقابل، يبرز الجلد والطرد كعقوبات ذات طبيعة مختلفة في جرائم الزنا، بما يدل على تدرج جزائي يميز بين الجرائم الواقعة على الأشخاص وتلك التي تمس الأخلاق العامة أو النظام الأسري. هذا التدرج يقترب من المنطق التشريعي المعاصر الذي يفرّق بين الجناية والجنحة، وبين العقوبات السالبة للحرية والعقوبات المقيدة للحقوق، وإن كانت الأدوات التاريخية أكثر صرامة وأقل مراعاة لمعايير الكرامة الإنسانية المعروفة اليوم.

أما إتاحة ما يمكن وصفه بـ”الفرصة الأخيرة” أو مراجعة الحكم، فتشير إلى وجود درجة من الضمانات الإجرائية، ولو كانت محدودة، قبل استقرار الجزاء. وهذه الفكرة تلتقي مع مبادئ القانون المصري الحديث في حق الدفاع، وطرق الطعن، ومراجعة الأحكام متى توافرت أسبابها القانونية. كما أن الإقرار أو الافتخار بالفعل الإجرامي، كما في حالة بيخال، يبرز أهمية الاعتراف كقرينة لا كدليل منفرد، وهو ما يظل قائماً في السياسة الجنائية المعاصرة التي تتطلب تكامل الأدلة وعدم الاكتفاء بالقول المجرد.

الخلاصة العملية أن هذه النماذج التاريخية تكشف جذوراً مبكرة لفكرة العدالة الجنائية، لكنها تبرز أيضاً المخاطر القانونية للعقوبات غير المتناسبة أو المفرطة، وما تسببه من مساس بالحقوق الأساسية عندما تغيب الضمانات الإجرائية الكافية.

إخلاء المسؤولية: هذا المحتوى لأغراض معلوماتية فقط ولا يُعد استشارة قانونية.
المصدر: اليوم السابع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*